محمد بن يزيد المبرد

604

المقتضب

ومثل ذلك : « ما علمت أحدا دخل الدار إلّا زيدا » ، و « إلّا زيد » ، إن شئت على ما تقدم من قولنا . فأمّا « ما ضربت أحدا يقول ذاك إلّا زيدا » ، فالنصب لا غير ؛ لأنّك لم تنف القول . إنّما ذكرت أنّ القول واقع ، لكنّك لم تضرب ممّن قال إلّا زيدا . * * * والفصل بين « علمت » و « ظننت » وبابهما ، بين سائر الأفعال - أنّ « علمت » وبابها ليست أفعالا واصلة منك إلى غيرك ، وإنّما هي إخبار بما هجس في نفسك من يقين أو شكّ ، فإذا قلت : « علمت زيدا قائما » ، فإنّما أثبتّ « القيام » في علمك ، لم توصل إلى ذات « زيد » شيئا . وإذا قلت : « ما علمت زيدا قائما » ، فإنّما أخبرت أنّه لم يقع في علمك . و « ضربت » وبابها أفعال واصلة إلى الذات مكتفية بمفعولاتها ، فما كان بعدها فله معناه ، وكذلك : « أعطيت » وبابها . نحو : « أعطيت زيدا درهما » ، و « كسوت زيدا ثوبا » . إنّما هي أفعال حقيقة ، ودفع كان منك إلى « زيد » ، ونقل لمفعول إلى مفعول به ، ف « الدّرهم » و « الثوب » منقولان ، و « زيد » منقول إليه . * * * فإذا قلت : « ما أعطيت أحدا درهما إلّا دينارا » ، أبدلت « الدينار » ممّا قبله ؛ لأنّ « درهما » في معنى الجميع . كأنّه قال : ما أعطيت أحدا شيئا . وممّا يدلّك على أنّهما مفعولان بائن أحدهما من صاحبه ، أنّك لو حذفت الفعل لتعتبر ، لم يقع أحد المفعولين بصاحبه . لو قلت في قولك : « أعطيت زيدا درهما » ، و « كسوت زيدا ثوبا » : « زيد درهم » ، أو « زيد ثوب » ، كان محالا . وباب « كان » ، و « إن » ، و « علمت » داخل على ابتداء وخبر . وذاك أنّك لو حذفت « كان » من قولك : « كان زيد منطلقا » ، أو « إنّ » من هذا ، أو « علمت » ، لكان الكلام الباقي : « زيد منطلق » . وإنّما هذه الأفعال والعوامل داخلة على ابتداء وخبر . وتقول : « ما أعطيت أحدا يقول ذاك درهما إلّا زيدا » ، ورفع « زيد » خطأ لما ذكرت لك . وتقول : « ما منهم أحد إلّا قد قال ذاك إلّا زيدا » . لا يصلح فيه إلّا النصب ، وذاك لأنّ الاستثناء إنّما وقع من القول ؛ لأنّ التقدير : كلّهم قال ذاك إلّا زيدا . * * *